السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

186

مختصر الميزان في تفسير القرآن

الآية ؛ هذه الآية وما بعدها إلى عدة آيات تتعرض لحال أهل الكتاب كالحجة على ما يشتمل عليه قوله تعالى : « قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ » الخ ؛ فإن هذه الجرائم والآثام لا تدع للانسان اتصالا بربه حتى يقيم كتب اللّه معتمدا عليه . ويمكن أن يكون هذه الآيات كالمبينة لقوله « إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا » الخ ؛ وهو كالمبين لقوله : « يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ » الآية ؛ والمعنى ظاهر . وقوله : « فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ » الظاهر أن كلمتي « فَرِيقاً » في الموضعين مفعولان للفعلين بعدهما قدما عليهما للعناية بأمرهما ، والتقدير : كذبوا فريقا ويقتلون فريقا ، والمجموع جواب قوله : « كُلَّما جاءَهُمْ » الخ ؛ والمعنى نحو من قولنا : كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم أساءوا مواجهته وإجابته وجعلوا الرسل الآيتين فريقين : فريقا كذبوا وفريقا تقتلون . قال في المجمع : فإن قيل : لم عطف المستقبل على الماضي يعني في قوله : « فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ » ؟ فجوابه : ليدل على أن ذلك من شأنهم ففيه معنى كذبوا وقتلوا ويكذبون ويقتلون مع أن قوله : « يَقْتُلُونَ » فاصلة يجب أن يكون موافقا لرءوس الآي ، انتهى . قوله تعالى : وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا الخ ؛ متمم للكلام في الآية السابقة ، والحسبان هو الظن ، والفتنة هي المحنة التي تغرّ الإنسان أو هي أعم من كل شر وبلية ، والعمى هو عدم إبصار الحق وعدم تمييز الخير من الشر ، والصمم عدم سماع العظة وعدم الإعباء بالنصيحة ، وهذا العمى والصمم معلولا حسبانهم أن لا تكون فتنة ، والظاهر أن حسبانهم ذلك معلول ما قدروا لأنفسهم من الكرامة بكونهم من شعب إسرائيل وأنهم أبناء اللّه وأحباؤه فلا يمسهم السوء وإن فعلوا ما فعلوا وارتكبوا ما ارتكبوا . فمعنى الآية - واللّه أعلم - أنهم لمكان ما اعتقدوا لأنفسهم من كرامة التهود ظنوا أن لا يصيبهم سوء أو لا يفتنون بما فعلوا فأعمى ذلك الظن والحسبان أبصارهم عن إبصار الحق ، وأصم ذلك آذانهم عن سماع ما ينفعهم من دعوة أنبيائهم .